تاريخ ميلاد مجهول

بقلم علاء السراج

دار جدالٌ بين مجموعةٍ من الأصدقاء حول حدثٍ من أحداث التاريخ الغابر. انقسم الأصدقاء حينها إلى طرفين، طرفٌ يسرد روايةً تاريخيةً وطرفٌ يسرد روايةً مناقضةً لرواية الآخر. أما أنا فقد كنت أُنصت لكل طرفٍ منهما وأستمع لما يقول، ومن الملفت للنظر حينها أن كل طرفٍ منهما كان يجزم بأن روايته التاريخية هي الحقيقة بعينها، ويتحدّث بثقةٍ عنها، حتى كاد يُخيّل للسامع أنهم قد عاشوا في تلك الأزمان حقاً ويعرفون شخصياتها حق المعرفة، وبينما كنت أقلّب السمع بين هذا وذاك، وبعد جدالٍ عقيمٍ عجز كلٌّ منهما فيه من إقناع الآخر، نظروا جميعاً إليّ وقالوا:

ـ لماذا أنت صامت؟ أسمعنا رأيك، هل نحن على صواب أم هم؟

طلبت منهم قبل الإجابة أن ينصتوا لقصتي أولاً، ورحت قائلاً:

لقد جرت العادة في بلدي أن يتم تسجيل المولودين حديثاً بتاريخ ميلادٍ آخر غير يوم ميلادهم، لأسبابٍ عديدة، كأن يوافق التاريخ عيد ميلاد أحد إخوته، أو أن يوافق بداية عامٍ جديد، أو لأسبابٍ تتعلق بالسن القانوني لدخول المدرسة، وغير ذلك من الأسباب، ولكن الأغلبية كانوا يذهبون لتسجيل أبنائهم في دائرة النفوس بعد أسابيع من ولادتهم ويعتمدون تاريخ ميلادهم في يوم التسجيل نفسه، وهذا ما فعله أبي معي حين ولِدْتُّ، فأنا على الأوراق مولودٌ في الثامن عشر من شهر أيلول (سبتمبر)، و قد كانت المرة الأولى التي عرفت بها بهذا الأمر عند استلامي للبطاقة المدنية لأول مرة في عمر الرابعة عشر من عمري، فقد كنت قبل ذلك أحتفل كلّ عامٍ في الثالث من أيلول كما أخبرني والداي حين كنتُ طفلاً صغيراً. سألت أبي حينها إن كان واثقاً من أنني قد ولدت في الثالث من سبتمبر، وكان أبي رجلاً يجب المزاح فضحك وقال😂:

ـ لا تشككني بمعلوماتي يا ولد، حقاً لقد شوشت ذاكرتي بهذه الأسئلة الغريبة، ولماذا أنت مهتم بهذا الأمر؟

ثم نشأت على تلك العقلية لسنواتٍ ولم أعد أهتم بهذا الأمر، فلم يكن يوم ميلادي يعني لي شيئاً، كحال كثيرٍ من أبناء بلدي الذين كان عيد ميلادهم يوماً كسائر الأيام، فالمجتمع برمّته لا يهتم أصلاً بمواليد أبنائه. أما عندما سافرت إلى ألمانيا فقد كان تاريخ ميلادي المزدوج ظاهرةً غريبةً لدى الألمان، فالمنطق يقول بأنّ الإنسان يولد مرةً واحدةً فقط، وقد كان ذلك سبباً لاتهامي بتزوير أوراقي الشخصية من زملائي بالعمل في أحد الأيام، بعد أن لاحظوا أن فيسبوك يحتفل بيوم مولدي في يومٍ مختلفٍ عن اليوم المدوّن في أوراقي الثبوتية لديهم.

بعد ذلك الموقف قررت العودة والبحث في الموضوع الذي كنت قد تجاهلته لسنوات لأعرف الحقيقة، ولم يكن لدي مرجعٌ أعود إليه في هذه القضية إلا ذاكرة أمي بعد أن فارق والدي الحياة، فسألت أمي حينها، إن كانت على يقينٍ بأنني قد ولدت في الثالث من أيلول. فأجابت🙄:

ـ طبعاً، ما هذا السؤال، وهل تنسى الأم مولد ابنها؟!

ـ هل تذكرين أيّ يوم كان؟

ـ لقد كان يوم الثلاثاء (قالتها بكل ثقة🙂)

ـ لا يا أمي، لقد كان يوم الخميس

تداركت أمي كلامها وقالت على فورها 😯: نعم نعم لقد كان يوم الخميس.

في الحقيقة أنا لا أثق بهذا النوع من الذاكرة، وهي ما أسميها الذاكرة المُصطنعة أو المفتعلة، وهو يعتمد على توجيه الذاكرة باتجاه حدثٍ معين، وإقناع النفس به، وهذا النوع من الذاكرة المصطنعة تتطور أكثر مع تقدم الإنسان في العمر. وكنتُ أريد بذلك اختبار ثقة أمي في معلوماتها، وحينها تأكدت بأنه لا يمكنني الاعتماد عليها، لأن الثالث من سبتمبر لم يكن يوم الثلاثاء ولا الخميس، بل كان يوم الأربعاء. حينها فقدت أي أملٍ بالوصول إلى الحقيقة التي ترضيني، وها أنا أمامكم موجود، لكني لا أعرف متى أنا مولود.

بعد أن انتهيت سألني أحد الأصدقاء وقال 🤔:

ـ وما علاقة تلك القصة بما سألناك عنه؟

ـ ما أريد قوله لكم، إن كنتُ أنا لا أثق بتاريخي الشخصي ولا أعرف حقيقته، فمن أين لكم هذه الثقة بالحديث عن أحداثٍ مضى عليها آلاف السنين؟؟؟

 

اقرأ أيضا

تاريخ ميلاد مجهول

اقرأ أيضا

Scroll to Top

اكتشاف المزيد من Alaa Alsarraj

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading