الولد المتسوّل

بقلم علاء السراج

بعد أن انفصل عصام عن زوجته، اضطّر بسبب ضيق المعيشة وعسر الحال أن يهاجر إلى دولةٍ أخرى بهدف العمل وجني المال، ليعيل به ابنه الصغير الذي تركه مع أمه في بلده. كان عصام يسعى دائماً أن يوفّر بعض المال ويرسله لزوجته السابقة كي يحظى ابنه بأفضل الفرص المعيشية والتعليمية وألا ينقص عليه شيءٌ من احتياجاته الأساسية. وبعد سنواتٍ طوالٍ من الاغتراب قضاها عصام بالجد والاجتهاد في العمل، تمكّن من توفير رأسمالٍ لا بأس به، وبدافع الشوق والحنين لابنه عاد عصام إلى وطنه، واستثمر ذلك المال في التجارة والعمل الحر. ومع مرور سنواتٍ تحوّل عصام إلى أحد كبار تجار المدينة وأثريائها، بل إن ثروته كانت تزيد يوماً بعد يوم، ومع كل زيادةٍ فيها، كانت تزيد معها الغيرة في قلب طليقته وأم ابنه.

كان عصام قبل انفصاله عن زوجته دائم الشجار معها وكان كثيراً ما يردد قائلاً إنّ وجودها في حياته كان سبب فقره وعدم طرح البركة في ماله، وأكثر ما كان يغيظها أنّ ثراءه بعد الانفصال عنها قد أثبت صحة مقولته، مما كان يزيد فيها الحسرة والغضب، حتى وصل بها الحال إلى تحريض ابنهما عليه على الدوام لمطالبته بدفع مصاريف أكبر، وتزنُّ في رأس الولد قائلةً: “إنّ أباك لا يُعطيك إلّا من الجمل أُذنه”.

مضت السنون وأصبح الولد شاباً، وفي إحدى الأيام استغلت الأم تعلّق قلب ابنها بإحدى زميلاته في الجامعة، فعمِدت إلى ذم أبيه وطباعه ولومه على تقصيره، واتهامه باللامسوؤلية والهروب من التزاماته تجاههم، ثم قالت لابنها متهمةً أباه بأنّه لو كان يُحبّه حقاً لأهداه بيتاً من العقارات التي يملكها وسعى إلى تزويجه من الفتاة التي يُحبّها.

بعد بضعة أيام كان الولد في زيارةٍ لأبيه كما هي العادة مع بداية كلّ شهرٍ جديدٍ ليقضي معه بعض الوقت ويأخذ منه مصروفه الشهري المُخصص له، وفي هذه المرة، تسلم منه ظرف النقود، ثمّ نظر الولد إلى الظرف وقال لأبيه😔:

ـ أحياناً ينتابني شعورٌ أنني لست ابنك، بل عاملٌ من عمالك آتي إليك لأحصل على مرتبي الشهري.

ـ لا يا بني، فالعامل أعطيه المال مقابل عمله، أما أنت فأعطيك لأنك ابني.

ـ إذاً لماذا لا تعطيني حرية التصرف بالمال، ألا تثق بابنك؟

ـ ولماذا تريد ذلك؟ ما الذي ينقصك؟

ـ أريد الزواج.

تعجب عصام من طلب ابنه وقال: أليس من الأولى أن ننتظر انتهاء دراستك الجامعية كي تعمل أولاً؟ أم تريد الزواج بلا عمل؟

قال الولد ساخراً😒: أنت تعلم أنني، حتى لو تخرجت من الجامعة، فالوظيفة التي ستجلبها لي شهادتي الجامعية لن تكفي بكل الأحوال لتحمل مصاريف الزواج.

 

ـ عندما تكون شاباً عاملاً ومنتجاً، فيمكنني مساعدتك لأنّك محدود الدخل. ولكن على الأقل عليك أن تتحمل مصاريفك الأساسية. وماذا إن أصبحت أباً، هل عليّ أن أشتري حفاضاً لأولادك؟ ألا يكفي أنني اشتريتها لك في صغرك؟ لقد دفعت كل مصاريفك بنفسي، ولم أطلب من جدك يومها أن يفعل ذلك.

ـ الزمن قد تغيّر وعصرنا لا يُشبه عصركم، ثم إنّ أبوك كان عاملاً بسيطاً، أما أبي فكبير تجار المدينة، ومن واجب الأب مساعدة ابنه.

حاول الأب تَفهُم ثورة الشباب وأحلامهم في الزواج، فقال له بلطفٍ ناصحاً:

ـ أنا أساعدك يا بني عندما أعلمك الاعتماد على نفسك، والارتجال على قدميك بدلاً من الاتكال على عكاز الآخرين. أريد أن أعطيك الفرصة كي تخوض غمار الحياة وحدك، لا أن أخوضها عنك. أريدك أن تسبح في بحورها وتقاوم الغرق وتنهض من جديد، وأنا معك ولن أتخلى عنك وموجود دائماً لإسداء النصيحة والمساندة.

ـ ولماذا عليّ أن أخوض تلك الغمار، وأسبح في تلك البحور؟

ـ كي تصبح رجلاً مسؤولاً، لا طفلاً يعيش عالةً على الآخرين…

نهض الولد من مجلسه، وقاطع أباه مُنفعلاً😡:

ـ لقد سئمتُ من هذه الشعارات والمثالية، اسمع يا سيد عصام، إن لم تزوّجني من الفتاة التي أُحبّ، وتعطني بيتاً وسيارةً، فأنا لست ابنك ولن تسمع مني كلمة أبي بعد الآن.

عندها نهض عصام هو الآخر واتّجه بهدوءٍ إلى النافذة التي تطل على الشارع المقابل للمكتب، ثم طلب من ابنه الحضور إليه وقال له:

ـ هل ترى ذلك المتسوّل الذي يجلس على قارعة الطريق ويسأل الناس المال؟ لو أعطيتُه ما طلبتَ مني، لصار ابناً لي، وسوف يناديني بأبي أيضاً.

ـ غضب الولد وصرخ غاضباً: وهل تقارن ابنك بهذا المتسوّل؟

ـ إن كانت أبوّتي لك مرهونةً بتنفيذ طلباتك فأنت وهذا المتسوّل عندي سواء.

اقرأ أيضا

الولد المتسوّل

اقرأ أيضا

Scroll to Top

اكتشاف المزيد من Alaa Alsarraj

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading