محاولة فاشلة

بقلم علاء السراج

هذه القصة هي من سلسلة طبيب في المهجر، وفيها أحكي قصصاً عشتها شخصياً أو أحد زملاء المهنة في ألمانيا وغيرها من دول الاغتراب، ومراعاةً لعامل الخصوصية سأحكي في هذه السلسلة عن شخصيةٍ خياليةٍ اسمها “الدكتور حِكمت” مع بعض التعديلات على الأحداث بما لا يغير بالعبرة والمعنى، والغاية منها هي تعريفكم بعالم الأطباء، فعلى الرغم من أنّها مهنةٌ شاقة، لكنّها لا تخلو من الطرائف والمواقف الإنسانيّة الملهِمة.

بعد عناء يوم طويلٍ قضاه الدكتور حكمت في إحدى مناوباته الليلية متنقلاً بين غرف الإسعاف والعمليات، وعند حلول الليل وقبل أن يتوجه إلى غرفة الأطباء للنوم، أراد أن يطمئن على أن أمور المرضى في الجناح تسير على ما يرام قبل أن تتصل به الممرضة الليلية وتوقظه من نومه، فنوم الأطباء في المشافي لا يشبه أيّ نوم، بل إنّه نومٌ وليس نوماً، فهم على استعدادٍ دائمٍ مستنفرين لأي حالة طوارئ تنقلهم من السبات إلى حالة التركيز والإدراك في لحظات، أي كأنه نومٌ يُغمض فيه النائمُ عيناً ويبقي الأُخرى مفتوحةً.

كانت الممرضة الليلية تغلق الهاتف لتوّها حين وصوله إلى الجناح، وعندما رأته ركضت إليه على عجل وقالت له:

ـ من الجيد أنّك هنا، هلّا ساعدتني بسحب عينة دم لمريضةٍ في الغرفة رقم سبعة، حاولت ذلك لكني لم أنجح.

ـنظر حكمت إلى الغرفة وسأل الممرضة:

ـ من هي تلك المريضة؟ لا أعرفها.

ـ إنها مريضةٌ من قسم العظام، حوّلوها إلينا لأن جناحهم قد امتلأ بالمرضى، وحاولت الاتصال بطبيب العظام، لكنه في غرفة العمليات ولا يمكنه المجيء حالياً.

ذهب حكمت وأحضر عُدّتهُ ودخل بها على المريضة، التي كانت أوروبية الملامح، شقراء بيضاء، إلا أن هذا البياض كان ممزوجاً مع احمرارٍ وازرقاقٍ وألوانٍ أُخرى من أثر الكدمات على وجهها، وعلى الرغم من ذلك كانت هادئةً وشاردة الذهن، تنظر طوال الوقت إلى النافذة. تحاول من خلال ذلك كبت حزنها في قلبها، إلا أنّ انكسارها ونظراتها كانت تفضح ذلك الحزن.

وبينما كان حكمت يقوم بعمله سألها بلطفٍ عن سبب تلك الكدمات فأجابته بصوتٍ حزينٍ خافتٍ 😔: ضربني زوجي.

لم يشأ حكمت أن يتدخل في أمور المريضة الشخصية، وبخاصةٍ أن الأمر يتعلق بتجربةٍ مؤلمة، فأكمل عمله وانسحب من الغرفة متوجهاً إلى الممرضة في الجناح لإعطائها عينة الدم، وهناك قالت له الممرضة:

ـ هل رأيت وجهها؟ مسكينة لقد تعرضت للتعنيف…😔

ـ حكمت: نعم رأيته، لا بُدّ أنّ زوجها وحش.

توقف حكمت بعدها للحظاتٍ عن الكلام، ثمّ تابع ساخراً وممازحاً 😏، في محاولةٍ لرد اعتبارٍ حضاريٍ، مُستغلاً المشهد الذي رآه فقال للممرضة:

ـ يبدو أنّ تعنيف النّساء ليس من اختصاص العرب فقط كما ينشر ويروّج الإعلام، حتى عندكم يضرب الرجال نساءهم كما يبدو.

نظرت إليه الممرضة وردّت عليه بابتسامةٍ ساخرة وقالت😀:

ـ محاولة فاشلة لم تنجح معك هذه المرّة، فصحيحٌ أنّ المريضة ألمانية، ولكن زوجها عربي.

حكمت:😐.

اقرأ أيضا

محاولة فاشلة

اقرأ أيضا

Scroll to Top

اكتشاف المزيد من Alaa Alsarraj

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading