في الحياة هناك من يُقرر، وهناك من يُكرر، والفرق بينهما كبير، فالذي يقرر يعرف ما يريد وما لا يريد، أما الذي يكرر فقد يختار ما لا يريد، لأن غيره قد اختاره، وأوهمه أن عليه اختياره أيضاً. هناك أمثلةٌ وقصصٌ عديدةٌ على خياراتٍ وأفعالٍ وتصرفاتٍ يقوم بها النّاس دون إرادةٍ حقيقيةٍ للقيام بها، ولكنّهم يخشون شيئاً إن لم يفعلوا ذلك، لا أعلم ما هو هذا الشيء، ولكنّه شيءٌ يخيفهم، ويشوش رؤيتهم، ويمنعهم عن التفكير، ويحرمهم من حرية اتخاذ القرار، فيختارون ما لا يريدونه حقاً.
ومن هذه القصص أستذكر موقفاً مع أحد أصدقاء الحياة الجامعية، حيث كنا طلاباً في دمشق، وكنا مع مجموعةٍ من الأصدقاء نلتقي على الدوام لكي ندرس قليلاً ونمرح ونضحك كثيراً، وفي إحدى الأيام وبعد انتهاء المحاضرة توجهنا إلى منزل صديقٍ قريبٍ من الجامعة، واتفقنا جميعاً على أن تكون وجبة الإفطار في هذا اليوم بعضاً من المعجنات المتنوعة الطعمات والنكهات من فرنٍ قريبٍ من البيت.
عندها قمت بتسجيل طلبات أصدقائي، حيث قام كلٌّ منهم باختيار أربعةٍ أو خمسةٍ من أنواع الفطائر (المناقيش) صغيرة الحجم، وقد تنوعت طلباتهم بين الجبنة والبيتزا والسبانخ والزعتر والمحمرة وغيرها من الأنواع. بعد ذلك تطوعت للذهاب لإحضار الفطائر الساخنة من الفرن إلى الأصدقاء بينما كانوا هم يجهزون الشاي ويحضرون طاولة الطعام، وعندما وصلت، فتحت الكيس لتهب منه الروائح الزكية، وكلّ واحدٍ منهم كان يترقب اللحظة التي ينقض بها على فطائره اللذيذة التي اختارها بنفسه، إلا صديقٌ من الأصدقاء فاجأني عندما قال لي: هلّا أعطيتني منقوشة الزعتر، أريد أن أبدأ بها وأنتهي منها بسرعة كي أتفرغ للبقية، لأنني لا أحب الزعتر.
فضحكت وقلت له: ولماذا طلبتها إذا لم تكن تحبها؟
فكان جوابه مفاجئاً أكثر من كلامه الأول حين قال: معقول الواحد يطلب مناقيش وما يطلب زعتر.
من يومها وأنا أحاول عند كل قرارٍ أتخذه أن أسأل نفسي، هل أريد ذلك الأمر حقاً، أم أنّه مجرد منقوشة زعتر قد برمجني المجتمع على اختيارها .
