هللوا يا، الله أكبر

بقلم علاء السراج

هذه القصة هي من سلسلة طبيب في المهجر، وفيها أحكي قصصاً عشتها شخصياً أو أحد زملاء المهنة في ألمانيا وغيرها من دول الاغتراب، ومراعاةً لعامل الخصوصية سأحكي في هذه السلسلة عن شخصيةٍ خياليةٍ اسمها “الدكتور حِكمت” مع بعض التعديلات على الأحداث بما لا يغير بالعبرة والمعنى، والغاية منها هي تعريفكم بعالم الأطباء، فعلى الرغم من أنّها مهنةٌ شاقة، لكنّها لا تخلو من الطرائف والمواقف الإنسانيّة الملهِمة.

إن العمل في المستشفى يشبه إلى حدٍ كبيرٍ العيش في قريةٍ صغيرة، مع بعض الفوارق، وهو أنّ سكان هذه القرية هم ليسوا أبناءها، فالعاملون يتغيرون ويتبدلّون باستمرار، كما أن أبناء القرية عادةً يجمعهم لونٌ واحد وعرقٌ واحد وعقيدةٌ اجتماعية وفكرية واحدة، أما سكّان المستشفى فهم مزيجٌ من جميع الألوان، وخليطٌ من العقائد والخلفيات الاجتماعية والثقافية، رجالٌ ونساءٌ من شتى الأعراق والأعمار يعملون كلٌّ في تخصصه ومجاله ومعرفته، وبتضافُرِ تلك الجهود سوياً تستمر الحياة في القرية وتستمر المستشفيات بتنفيذ مهامها.
قد تبدو صورةً شاعريةً وتشبيهاً جذاباً وتصويراً براقاً، ولكنّها في بعض الأوقات فكرةٌ مُخيفة، فللخوف أوجهٌ كثيرة، ومن هذه الأوجه هو خوف الإنسان مما يجهل ومما هو غريبٌ عنه. ففي يومٍ من ذات الأيام، انتهى الدكتور حكمت من خياطة جرح المريض في غرفة الإسعاف وطلب من الممرضة الألمانية تضميده.
في تلك الأثناء لمح حكمت زميله عبد الله أمام باب الغرفة ماشياً برفقة ابنه الصغير في ممر الإسعاف، فتوجّه إليه وسأله:
ـ خيراً إن شاء الله، هل الولد مريض يا عبد الله؟
ـ عبد الله: كلّه خيرٌ بإذن لله، وقع أثناء اللعب على الدراجة وكانت يده تؤلمه، أما الآن فقد بدأ يتحسن، لكنّي أردت التأكد بالصور الشعاعية، وقد تلطف الله به ولا وجود لأي كسر.
ـ حكمت: حمداً لله على سلامته، طمأنتني بسماع ذلك.
ـ عبد اللّه: الله يطمئن بالك، ثم تابع سيره مع ابنه وقال: برعاية الله.
ـ حكمت: الله معك.
ذهب عبد الله وابنه وانصرف المريض بعد أن انتهت الممرضة من تضميد جراحه، وبقي حكمت مع الممرضة وحيداً في الغرفة، فاقتربت منه وملامح الخوف والرعب تبدو عليها، وبصوتٍ هادئٍ حذرٍ قالت:

ـ هل كانت تلك اللغة التي تحدثتم بها هي اللغة العربية؟
ـ حكمت: نعم.
ـ الممرضة: لا أُخفيك سراً، فأنا أخاف من هذه اللغة.
ـ وهل يُعقلُ لعاقلٍ أن يخاف من لغة؟! إنّها مُجرد لغة كغيرها من اللغات.
ـ بصراحة أشعر بالخوف لدى سماعها، وبالأخص عندما تتحدثون عن إلهكم.
ـ تعجب حكمت وقال: لم نتحدث عن الله! كنتُ أطمئن على صحة ابنه.
ـ لكنّي سمعت هذه الكلمة في كلّ جملةٍ من حديثكما.
ـ إنّها كلمةٌ من موروثنا اللغويّ، وهي روحُ حضارتنا، التي بُنيتْ عليها مفردات ثقافتنا. ولكن غريب لماذا تخافين من هذه الكلمة؟
ــ قالت الممرضة بصوتٍ مرتجفٍ😯: لا أدري بالضبط، ولكني قد تخيلت للحظاتٍ أنّك ترتدي حزاماً ناسفاً تحت معطف الطبيب وبأنك ستقوم بتفجير المستشفى.
سرح حكمت مذهولاً يُفكر بكلامها، وبقي صامتاً دون تعليقٍ منه، فتداركت الممرضة الموقف وقالت: المعذرة، لم أكن أقصد ذلك حرفيّاً.
ـ لا عليكِ……أنا مُتعجبٌ فقط، فلم أكن أعلم أن الإنسان قادرٌ على أن يبني وهماً في رأسه وخيالاً مُرعِباً لمجرد سماعه كلمة.
ـ لا تتعجب، فخوفي له مبرر، فلطالما سمعت تلك الكلمة على الشاشات من أشخاصٍ يتكلمون تلك اللغة صارخين “الله أكبر” قبل تفجير أنفسهم.
ـ ومع ذلك فهذا ليس مبرر، فالمُخيف هو التفجير وليس الكلمة، ولو أنّهم كانوا يتحدثون لغةً أخرى لربّما صرخوا………هللوا يا.

اقرأ أيضا

هللوا يا، الله أكبر

اقرأ أيضا

Scroll to Top

اكتشاف المزيد من Alaa Alsarraj

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة