مملكة الجنرال

بقلم علاء السراج

في إحدى الممالك التي ساد فيها الجهل والفقر والمرض، قام جنرال المملكة وقائد جيشها بانقلابٍ على الملك ونفيه خارج المملكة، ثم نصّب الجنرال نفسه ملكاً عليها، وعندما استيقظ في اليوم التالي للانتصار، اكتشف أنّه لا يعرف كيفية إدارة المملكة، فقد قضى سنوات عمره في ساحات الوغى يلوذ عن المملكة ويحارب تحت رايتها، ولم يعمل ملكاً في يوم من الأيام، كما أنه لم يملك السُّلطة المُطلقة على الناس قبل هذا اليوم، لكنّه أحبَّ هذه السلطة وعزّ عليه أن يتركها لمن هو الأقدر على قيادتها بعد أن وصل إليها وجلس على كرسيها وملك عرشها، فقرر الاحتفاظ بها لنفسه والاستعانة بالوزير السابق لخبرته في إدارة شؤون المملكة وقربه من الملك المخلوع.

عندما وصل الوزير إلى قاعة العرش، نهض الجنرال وخاطبه بلغةٍ صارمةٍ وحازمةٍ، تهدف إلى إخافة الوزير كي لا يفكر بخيانته والمكر به من ناحية، ومن ناحية أخرى كان يحاول أن يعكس للوزير ثقته بنفسه وخبرته ومعرفته كي لا يلاحظ جهله وعدم كفاءته. فقال له:

ـ اسمع أيها الوزير، بعد انتصارنا برحيل الملك الفاسد الذي لم نعرف تحت عهدته سوى الجهل والفقر والذل والهوان، سنبدأ الآن صفحةً جديدة، وعهداً جديداً تسوده المحبة والسعادة والازدهار.

ـ الوزير: ونعم الرأي يا جلالة الملك، هل تسمح لي أن أسألك عن رؤيتك الجديدة؟ ماذا تشير عليّ فخامتك؟

تراقص الجنرال فرحاً على إيقاع طبول التفخيم وأنغام التعظيم للحظاتٍ، ثم ارتبك قليلاً بعد أن أدرك أنه ملكٌ بلا رؤيةٍ واضحةٍ لمعالم حكمه، لكن كونه ملكاً كان كافياً لاستعادة النشوة وعودة الكبرياء له ليقول شامخاً:

ـ أريد منك أن ترفع من مستوى التعليم، لا أريد جاهلاً في مملكتي، جميع أبناء المملكة عليهم أن يتعلموا وأن يحصلوا على أرقى الشهادات العلمية. كما أريد منك أن ترفع من مستواهم الاقتصادي، لا أريد بطالةً في عهدي، أنشئ لهم صروحاً علميةً وصناعيةً وثقافيةً كي نوظف جميع هؤلاء الخريجين.

ـ الوزير: سمعاً وطاعةً يا سيدي، سأقوم بوضع خطة عمل لإنجاز ذلك.

ـ صاح الملك غاضباً: لا أحد يضع الخطط في المملكة غيري، أنا فقط من أضع الخطط، وأرسم الرؤية وأكتب الأحلام، وأنتم تنفذون فقط.

ـ الوزير: حاشى لله يا سيدي، وهل أسمح لنفسي بأن أتطاول على صلاحيتك، كنت أريد فقط معرفة السنوات والمدة الزمنية المطلوبة لإنجاز رؤيتك السديدة، فهل هي خطةٌ خمسية؟ أم عشرية؟ أم أكثر من ذلك.

ـ الملك: نفذ حالاً ولا تضيع الوقت بهذه التفاهات، معك عامٌ واحدٌ فقط.

انقضى العام وطلب الملك من الوزير مرافقته في جولته على أرجاء المملكة، وبينما كانا يجوبان شوارعها كان الملك دائم الثناء على وزيره النشيط، فلقد أسعدته رؤية الجامعات والمعامل والمصانع والمسارح والمستشفيات وغيرها من الصروح والمباني التي شيّدت في هذا العام، وكان أبناء المملكة يستقبلون ملكهم بالأهازيج والهتاف، ويرمون موكبه الموقّر بالورود والأزهار.

إلا أنّ الملك قد تفاجأ حين تابع جولته ودخل إلى تلك الصروح، فقد رأى فيها العجب العجاب. فلقد كان المهندسون يعملون في البناء، وعمال البناء في المكاتب، والنجارون في ورشات الحدادة، والحدادون يزرعون الأرض، والأطباء في صالونات التجميل والحلاقة، بينما كان الحلاقون يعملون في المطاعم والفنادق، أما المحامون والقضاة فمكثوا في السجون، والمجرمون صاروا رجال دينٍ، ورجال الشرطة يرقصون على أنغام القانون في مسارح المملكة. لم يجد الملك أحداً في تلك الصروح يعمل في مكانه المناسب، فنظر إلى الوزير باستغرابٍ وقال له:

ـ عجيب أيها الوزير. أعترف بأنك قد استطعت تعمير الصروح، وأقدر جهودك وسعيك في تعليم الناس وفي رفع نسبة حملة الشهادات الجامعية، كما أني سعيد باهتمامك بالحرفيين وأصحاب المصالح، ولكن.. لماذا لا أرى الرجل المناسب في المكان المناسب؟

ـ الوزير: لو أني وضعت الرجل المناسب في المكان المناسب، لما بقيتَ في مكانك يوماً يا سيدي.

اقرأ أيضا

مملكة الجنرال

اقرأ أيضا

Scroll to Top

اكتشاف المزيد من Alaa Alsarraj

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading