هذه القصة هي من سلسلة قصصٍ قصيرةٍ بعنوان (حكايات الأعرابي والحكيم) أروي فيها مواقف بين شخصيتين خياليتين، وهما الحكيم الذي يرمز للفكر السامي أو الوعي الأعلى، والأعرابي الذي يرمز للفكر الدنيوي أو الوعي الأسفل، وفكرة هذه السلسلة وهذه الشخصيات مستوحاةٌ من تراث الأدب العربي، ولا يُقصد بها الإساءة إلى أي أُمّةٍ أو شعبٍ أو جنسيةٍ أو شخصٍ بعينه، فالعبرة والحكمة هي من وراء القصد.
التقى أعرابيٌ بحكيمٍ في أحد الأيام، وحاول بسماجته المعتادة أن يسخر من الحكمة ويستهزأ بها، فردت له الحكمة الصاع صاعين، فبعد حديثٍ طويلٍ عجز فيه الأعرابي عن فهم الحكمة وأهميتها، قال للحكيم: دعنا من الحكمة يا حكيم ولنتحدث بأمورٍ أهم من ذلك.
الحكيم: وهل هناك ما هو أهم من الحكمة؟
الأعرابي: أقصد أمراً أكثر مُتعةً.
الحكيم: وهل هنالك ما هو أمتع منها؟
الأعرابي: وبماذا ستفيدني الحكمة؟
الحكيم: لا شيء سيفيدك إن فقدت الحكمة، وإن اتبعتها فستستفيد من كل شيء.
الأعرابي: وهل امتلكت الحكمة أنت؟
الحكيم: الحكمة ليست مُلكاً لأحد إنّها متاحةٌ لجميع البشر.
الأعرابي: ولماذا لا يحصل عليها الجميع إذاً؟
الحكيم: الحكمة حديقةٌ مفتوحة الأبواب، هناك من يمر بقربها ويتجاهلها، وهناك من ينظر لها من الخارج ويتمنى دخولها لكنه يخاف القيام بذلك، وهناك من هو في الداخل يتنعم بجمالها.
الأعرابي: وكيف يمكن للمرء أن يقنع الناس بدخولها؟
الحكيم: ليس من الحكمة إرغام أحدٍ على دخولها إن رفض ذلك.
الأعرابي: وأين يمكنني أن أجدها كي أتبعها؟
الحكيم: الحكمة موجودةٌ في كل شيء.
الأعرابي: أنا لا أرى حولي أي حكمة، إنها حياة عبثيةٌ لا معنىً لها.
الحكيم: نظرتك للحياة هي التي تحدد طبيعتها، فإن آمنت أنها عبثيةٌ فستكون حياتك عبثاً كذلك، وإن آمنت بالحكمة فستجدها وتعيش حياةً حكيمةً بها.
الأعرابي: أشعر بالأسى والحزن عليكم معشر الحكماء، تعيشون في فقاعاتٍ وعالمٍ وهميٍ تصنعونه، مفصولين عن الواقع ومشاكله.
الحكيم: بالحكمة تخلق واقعاً أجمل خالياً من جميع تلك المشاكل.
الأعرابي: اصدقني القول يا حكيم، ما الذي أفادتك به الحكمة على الصعيد الشخصي؟
الحكيم: لولا الحكمة لما كنتُ أنا الحكيم وأنت الأعرابي، وهذا يكفيني.
