تعرّف عليها بعد مُضي أشهرٍ على انفصاله عن زوجته السابقة، وكانت حالها تُشبهُ حاله إلى حدٍ كبير، فهي أيضاً قد عاشت قبل ذلك حياةً زوجيةً انتهت بالانفصال ولم تتكلل بالنجاح. شعر حينها أنّ الحياة قد وهبته بلقائها هديةً ثمينةً أعادت ضبط دقات قلبه على أنغام الحب، وتوليفها على موجات الهوى. وكانت هي الأُخرى ترى فيه قدراً جميلاً قد جاء لتعويضها عن سنوات البؤس والشقاء التي عاشتها في علاقةٍ سامةٍ، قد سببت لها أذىً وجروحاً وندباتٍ عميقةً في القلب والروح.
قبل تعارفهما كانا كعصفورين بائسين بأجنحةٍ مكسّرة، حتى جاءت شعلة الحب لتهبهما أجنحةً يحلقّان بها في سماء الأحلام والأمنيات، ولكنّهما وعلى الرغم من ذلك فقد كانا حريصَيْن كل الحرص على عدم الاندفاع وراء العواطف والمشاعر وكلمات الحب المعسولة كمراهقَين طائشَيْن دون الإنصات لصوت العقل في هذه المرة، وقد اتخذ كلٌّ منهما الحذر عنواناً لبداية العلاقة بينهما، فالخوف من تكرار التجربة الأليمة كان حاضراً في ذهنيهما، وكما يقول المثل (الملسوع من الحليب ينفخ على اللبن).
كان يعاملها كجوهرةٍ ولؤلؤةٍ يخاف أن تتأذى فيخسرها، وكانت هي الأُخرى تخافُ أن تفقد ذلك الشعور بالأمان والطمأنينة الذي كان يغمرها كلّما حدثته وهي تُحدق في عينيه، فقد رأت فيه الصديق والسند الذي تستطيع أن تُسرّ وتبوح له عن مكنوناتها دون خوفٍ من انفعالٍ أو غضب أو أيّ حكمٍ مسبقٍ. كان يصغي إليها لساعاتٍ طوالٍ وهي تحدّثه وتشتكي له من القهر والظلم والخيانة والتعنيف اللفظي والجسدي وغير ذلك من المآسي التي تعرضت لهما في زواجها السابق، وكثيراً ما كانت أثناء حديثها تُقارن ما بين مرارة ذلك الزمن، وحلاوة الأيام التي تعيشها معه الآن.
لم يكن حديثها عن زواجها السابق يغضبه أو يشعره بالانزعاج أو الغيرة على الإطلاق، بل على العكس تماماً، فقد كان سعيداً بأنها تستطيع التحدث معه في تلك الأمور بكل أريحية، فذلك إن دلّ على شيءٍ إنّما يدل على أنه أهلٌ لثقتها ومصدر طمأنينةٍ لها. كان متصالحاً مع الأمر ومتقبلاً له، فهو يعلم أن ذلك جزءٌ من ماضيها، والمرء إن أحب فلا يمكنه أن يحب جزءاً ويمقت جزءاً آخر. كان يتفهم أنّ جراحها لا زالت تنزفُ وأنها تحتاج إلى مرور الوقت كي تُشفى. كيف لا؟! وهو قد عاش تجربةً أليمةً في السّابق أيضاً، بل وكان يُدرك أن تلك الجراح، حتى لو شفيت فلا بد أن تترك ندباتٍ لتذكرنا بها بين الحين والآخر.
كانت تحب فيه لباقته، وكثيراً ما تصفه بأنه جنتلمان، فقد كان في كلّ مرةٍ يوصلها إلى منزلها، ينتظرها في سيارته أمام مدخل البناء حتى تصعد إلى المنزل وتدخل إليه وتشعل النور، ولا يغادر إلا بعد أن تلوّحَ له بيدها من النافذة كإشارةٍ وعلامةٍ أنها في سلامٍ وأمان. كانت تُقدّر له ذلك وتقول: طوال سنوات الخطوبة مع زوجي السّابق، لم ينتظرني يوماً على باب المنزل كما تفعل أنت، بل كان يغادر بمجرد أن أنزل من السيارة.
وفي يومٍ دعته فيه عندها لتناول الغذاء، وبعد الانتهاء منه، حمل معها الأطباق والمواعين إلى المطبخ، فنظرت له وتبسمت وقالت: سنواتٌ عديدةٌ عشت فيها مع زوجي السّابق، لا أذكر أنّه قد حمل كأساً واحداً إلى المطبخ.
وفي أوّل عيدٍ للحب مرّ عليهما، اشترى لها باقةً من الورد الأحمر وقدّمها لها، ففرحت بها وحضنته، ثم انهالت الدّموع من عينيها، وقالت: لقد مر عليّ أعيادٌ من الحب مع زوجي السابق، ولم يشترِ لي فيها يوماً وردةً واحدة.
في إحدى الأيام، وبينما كانا سويةً يتناولان طعام العشاء في أحد مطاعم المدينة لاحظت عليه قلة كلامه وميله للصمت، بدا وكأنّ هنالك شيئاً يشغل باله، كما ظهرت عليه علامات التأثر والشجن، ورأت في عينيه لمعةَ حزنٍ لم ترها من قبل، وعندما سألته: ما بك؟
أخبرها أنّه ذهب صباح ذاك اليوم إلى منزل زوجته السابقة لزيارة ابنه الرضيع الذي كان يقيم عندها، وأنه في كلّ مرةٍ عند رؤيته تنتابه بعض المشاعر الغريبة، ولربما كان ذلك نوعاً من الشعور بالمسؤولية تجاه هذا الكائن الصغير الذي لا ذنب له في سوء اختيارات الكبار.
ـ قالت: لكنك اليوم تبدو مختلفاً كلياً، هل هناك أمرٌ آخر يشغل بالك؟ هل أزعجتك طليقتك بكلمةٍ أو قالت لك شيئاً قد أغضبك؟
ـ لا أبداً على الإطلاق، فبعد أن فتحت لي الباب عادت إلى غرفة المعيشة حيث كانت تشرب القهوة مع أختها التي كانت بزيارتها، بينما توجهت أنا إلى غرفة الطفل مباشرةً، لاعبته قليلاً، ثم غفي فوق يدي، فوضعته في سريره وهممت بالمغادرة.
صمت قليلاً ثم قال: آه صحيح لقد تذكرت، عندما غادرت التقيت بأختها عند الباب، شعرت حينها ببعض الإرباك، فقد كانت تلك هي المرة الأولى التي أراها بها بعد انفصالي عن زوجتي، وكان الموقف محرجاً قليلاً، فقد اعتادت دائماً أن ترانا سويةً.
ثم صمت قليلاً وقال: عجيبةٌ هي الأيام، كيف تنقلنا من حالٍ إلى حال، بالأمس القريب كانت زوجتي وتحمل اسمي وكنا عائلةً نتشارك الحياة سوياً، أما اليوم فكلّ منا كيانٌ مستقلٌ له مساره وطريقه الخاص، وإن شاءت الظروف وتقابلنا، فنتقابل كالغرباء.
أثارت كلماته حفيظتها، فاحمر وجهها غضباً بعد سماعها ما قال، ولم تتمالك نفسها، فأخذت بالصراخ وقالت له معاتبةً 😡:
ـ من الواضح أنك مازلت تفكر فيها وأنك لم تنسها بعد، إن كنت ما زلت تحن لها فعد إليها وإلى طفلك وإلى حياتك القديمة إن أردت.
ـ أجابها😯: لكني لا أريد العودة لها، إنها فقط مشاعر إنسانية انتابتني اليوم، وأحببت أن أعبر لك عنها.
ـ طالما أنك ما زلت تذكرها وتتأثر عند حديثك عنها، فهذا يعني أنها لا تزال تستحوذ على عقلك وتفكيرك….. ثمّ تابعت كلامها بذات النبرة الغاضبة وهي تبكي وتقول: أنا حقاً لا أفهمك، لماذا قررت الخوض في علاقةٍ أخرى، إن لم تتخطَّ علاقتك السابقة بعد؟ ألم تفكر بي، ألا تهمّك مشاعري؟
نظر إليها متعجباً من ردة فعلها، بعد أن راحت تفسر الكلام بحسب مخاوفها وشكوكها، بعيداً عن الموضوعية والنزاهة والعقلانية، وعندما رأى نار الغضب في عينيها، وهجومها القاسي عليه بلا هوادة. لم يعد لديه رغبةٌ في الاستمرار في الحوار والدفاع والتبرير عن مواقفه ومشاعره، فنهض وغادر مجلسهما وأنهى تلك العلاقة في الحال، فأسوأ ما في العلاقات هو أن يكيل المرء بمكيالين، فيحلل لنفسه ويحرم على غيره، والأصعب من ذلك هو أن يتهمك أحدٌ بارتكاب جريمةٍ، كان هو نفسه قد اقترفها مراتٍ عديدة.

