حَمَدْ تلميذٌ في المرحلة الإعدادية، مجتهدٌ متفوقٌ وخلوق، وكان جميع معلميه يتنبؤون له بمستقبلٍ باهرٍ ومشرق، وفي يومٍ من أيام الامتحانات المدرسية استيقظ حمد في الصباح الباكر، فهو عادةً لا ينام ليلة الامتحان سوى بضع ساعاتٍ بالكاد تكفيه لكي يُريح جسده وذهنه كي يكون مستعداً للامتحان. توجه إلى غرفة المعيشة بعد أن نهض من الفراش، فوجد والدته مُستيقظةً هي الأُخرى، كانت حينها جاثيةً على ركبتيها، مُستقبلةً القبلة بوجهها، رافعةً ذراعيها إلى السّماء، تسأل المولى أن يتولى ابنها حمد، وأن يوفقه ويفتح على بصيرته في امتحان اليوم، وكانت تُعيذه من حسد الحاسدين وزلّات الشياطين ورفاق السوء الضالين المُضلّين.
وعندما رأته قالت له:
ـ صباح الخير يا حمد، اذهب إلى المطبخ، لقد حضّرتُ لك الفطار كي تتغذى جيداً قبل الامتحان.
لم يتناول حمد سوى بضع لقيماتٍ، فهو يفضل الذهاب إلى الامتحان ببطنٍ خاوٍ وذهنٍ صافٍ، على أن يذهب ببطنٍ ممتلئٍ وذهنٍ خاوٍ، وبعد أن أنهى وجبته، قام بتحضير نفسه للذهاب إلى المدرسة.
كانت أمه تجري وراءه طوال الوقت لتتأكد من جاهزيته، وهي تردد النصائح والمواعظ والإرشادات والتوصيات، وتذكره بدعاء دخول الامتحان، ودعاء السهو والتردد ودعاء التخبط والتسرع وغيرها من الأدعية التي يمكنها أن تعينه في امتحان اليوم، وعندما وقف عند الباب وهمّ بالخروج، رفعت يدها مجدداً إلى السماء، وانهالت منها بعض الدموع وهي تطلب التوفيق من الواحد الأحد، ثمّ مسحت دموعها وقالت له:
ـ لقد نسيت أن أخبرك بهذا الأمر يا حمد، إن صديقتي الآنسة دُنيا ستشرف على مراقبة الطلاب وسير عملية الامتحان في قاعتك اليوم، وقد أوصيتها بك، فلا تتردد في سؤالها إن احتجت لشيء.
ـ حمد: وماذا عليّ أن أسألها، ما الذي سأحتاجه؟
ـ ربّما تحتاج لمساعدة في أحد أسئلة الامتحان فيمكنك الاعتماد عليها.
ـ استاء حمد وأجاب أمه قائلاً: هل طلبتِ منها أن تساعدني على الغش يا أمي؟
ارتبكت أمه، وتلعثمت قليلاً وهي تبرر كلامها قائلةً:
ـ هذا ليس غشاً يا بني، ولكن المرء من رهبة الامتحان قد ينسى أو يتشكك في أحد الخيارات، وقد يحتاج إلى من يساعده ويرشده.
ـ هز رأسه حمد، ثم قال: حسناً عليّ الذهاب الآن.
وصل حمد إلى قاعة الامتحان وعند تسليمه ورقة الامتحان اقتربت منه الآنسة دنيا بهدوءٍ وقالت:
ـ آه أنت حمد، كم كبرت أيها الشاب، لم أرك منذ أن كنت طفلاً صغيراً…. ثم اقتربت منه حتى التصقت به وهمست: إن أردت المساعدة فأنا حاضرة، وسلّم على الماما.
تابعت الآنسة دنيا سيرها لتوزع بقية الأوراق، بينما جلس حمد وبدأ بقراءة الأسئلة واختيار الأجوبة المناسبة لها. كانت الآنسة دنيا أثناء الامتحان تجوب أرجاء القاعة ذهاباً وإياباً، وفي كل مرةٍ كانت تقترب بها من المقعد الذي يجلس عليه حمد، كانت توجه نظرها نحوه منتظرةً منه إشارةً للمساعدة، لكنه كان طوال الوقت مصوباً نظره إلى ورقة الامتحان، مشغولاً في التركيز بالأسئلة والتفكر بالأجوبة. وقبل انتهاء الامتحان بوقتٍ قليل، اقتربت الآنسة دنيا منه أكثر، فلم يكترث لها حمد، ثم ألقت نظرة على ورقة الإجابة، ومدت إصبعها إلى إحدى الإجابات، ووضعتها فوق الإجابة ب، وقالت له: صحّحه.
قالت تلك الكلمة وتابعت سيرها، ثمّ عادت لقربه بعد أن أتمت دورةً كاملةً في أرجاء القاعة، وعندما وصلت بالقرب من مقعد حمد مجدداً، رأت أن حمد ظلّ مُتمسكاً بإجابته ولم يغيرها كما طلبت منه، فاقتربت وسألته همساً: لماذا لم تغيرها؟ مشت خطوةً مبتعدةً عنه فأجاب حمد بصوتٍ منخفض:
ـ لأنني متأكد من الإجابة أ.
عمدت الآنسة دنيا، كي لا يلاحظها أحدٌ في القاعة، إلى متابعة السير بضع خطواتٍ ثم استدارت ومشت نحوه وقالت له: أنا أيضاً متأكدةٌ من إجابتي، جميع التلاميذ في القاعة اختاروا الإجابة ب، فغيّرها واسمع كلامي.
ـ حمد: ومع ذلك فأنا متأكد من إجابتي.
لم يكن حمد يكترث برأي الآنسة دنيا بداية الأمر، لكن إصرارها في كل مرةٍ كانت تقترب بها منه، وهي تنظر له وتحرك بشفتيها قائلةً: (ب، ب، اختر الإجابة ب)، كان قد زرع في قلبه الشك والتوتر، وكان ذلك يزداد معه كلّما شارف الامتحان على الانتهاء، وراح يُفكر في توبيخ أمه له إن علمت أنّه قد خالف صديقتها ورفض مساعدتها في حال كانت الآنسة دنيا على صواب. أصابه الشكّ في قراره وخياره، وفي الدقيقة الأخيرة للامتحان، نظر النظرة الأخيرة على إجابته، وبعد التفكر العميق قال في نفسه:
ـ سأبقي على الإجابة أ، وإن كانت الإجابة ب هي الصحيحة، فأنا لا أستحق علامتها، وحبذا خسارةٌ مُستحقةٌ من ربحٍ أجنيه من الغش، وإن غيرتها وكان عكس ذلك، فسيأكلني الندم طوال عمري على تغيير قناعاتي.
انتهى الامتحان، وقامت الآنسة دنيا بسحب الأوراق من التلاميذ، وحين جاء دور حمد، ألقت نظرةً خاطفةً على الورقة، فوجدت أنه لم يستجب لها حتى اللحظة الأخيرة، فنظرت له بازدراءٍ وقالت 😡: يا لك من شابٍ عنيد.
غادر حمد قاعة الامتحان، وعلى باب المدرسة التقى بأمّه التي كانت بانتظاره برفقة عديدٍ من أمهات التلاميذ هناك، كانت متوترةً ومُضطربةً أكثر من التلاميذ المُمتحَنين أنفسهم، وما إن رأته حتى ركضت إليه مسرعةً، وسألته على الحال: طمني يا حمد، كيف فعلت في الامتحان؟
ـ كل شيء تمام وعال العال، عدا سؤالٌ واحدٌ ….. ثم قصّ عليها ما جرى بينه وبين الآنسة دُنيا في قاعة الامتحان.
غضبت الأم بعد سماعها ما جرى وقالت له مُعاتبةً:
ـ كان عليك أن تكون أكثر تهذيباً معها، وأن تصغيَ لها، فهي صديقتي وقد أوصيتها بك ومن المستحيل أن تخدعك، وما كانت لتقول لك ذلك لو لم تكن متأكدةً من الإجابة.
ـ لكني أؤكد لك بأنني واثقٌ من إجابتي أيضاً.
ـ وهل يُعقل أنك وحدك على صواب، وبقية التلاميذ جميعهم على خطأ؟
صمت حمد بعدها، بينما راحت والدته توبخه وتصرخ عليه غاضبةً، ثم نظر حوله فشاهد مُدرّس المادة التي امتُحن بها حمد اليوم يسير على الرصيف ماشياً تجاه باب المدرسة، وعند وصوله بالقرب منهما، توجه إليه حمد مصطحباً أمّه معه، وسأله عن الإجابة الصحيحة للسؤال الذي اختلف عليه مع الآنسة دنيا.
وبعد أن سمع المدرس القصة منهما قال:
ـ لقد وضعت هذا السؤال كفخٍ لامتحان قدرات التلاميذ، وكنت أعرف أن القلائل فقط من سيتنبهون إليه ولن يقعوا فيه، ثم وضع يده على كتف حمد وتابع كلامه وقال: كما كنتُ أعرف أنّك واحدٌ منهم يا حمد.
أدار المدرس نظره نحو أم حمد، وقال لها:
ـ أهنئكُ يا سيدتي، فلقد نجح حمد في امتحان اليوم مرّتين، مرة باختيار الإجابة أ، ومرةً في رفضه الإصغاء لصديقتك الآنسة دنيا.
